منتدى عماد عبد الحى الأطير

منتدى مفيد لكل الرغبات
 
الرئيسيةالبوابةبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 الإخلاص والشرك الأصغر للشيخ / د . عبد العزيز بن محمد العبد اللطيف

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
Admin
avatar




عدد المساهمات : 1140
تاريخ التسجيل : 10/02/2009

مُساهمةموضوع: الإخلاص والشرك الأصغر للشيخ / د . عبد العزيز بن محمد العبد اللطيف   الخميس ديسمبر 22, 2011 7:11 am





الإخلاص والشرك الأصغر

الشيخ / د . عبد العزيز بن محمد العبد اللطيف
بسم الله الرحمن الرحيم
أولاً : وقفات مع الإخلاص وما يضاده :
الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ،
إن أعظم الأصول المهمة في دين الإسلام هو تحقيق الإخلاص لله تعالى في كل العبادات ، والابتعاد والحذر عن كل ما يضاد الإخلاص وينافيه من الرياء والسمعة والعُجْب ونحو ذلك ،
ومع أن هذا يعتبر من الأمور البدهية عند عامة المسلمين ، لكن كم نحتاج إلى مزيدٍ من التفقه في مقام الإخلاص وما يضاده ، وكم نفتقر إلى التذكير به وتعليمه ، ورحم الله أحد العلماء إذ يقول : " وددت أنه لو كان من الفقهاء من ليس له شغل إلا أن يعلم الناس مقاصدهم في أعمالهم ، ويقعد للتدريس في أعمال النيات ليس إلا ، فإنه ما أتي على كثير من الناس إلا من تضييع ذلك "
ولعل هذه المقالة المختصرة – أخي القارئ – تحقيق من فِقْهِ هذا الأصل الكبير ، سائلاً المولى تعالى الإخلاص فيها ، والسلامة مما يخالف الإخلاص ويُنافيه ، فأقول مستعيناً بالله تعالى :
أ‌- أهمية أعمال القلوب :

إن تعريف الإيمان عندنا معشر أهل السنة ، هو إقرار باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالأركان ن يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان ، واعلم – أخي القارئ – أن الإخلاص أهم أعمال القلوب المندرجة في تعريف الإيمان ، وأعظمها قدراً وشأناً ؛ بل إن أعمال القلوب – عموماً – آكدُ وأهم من أعمال الجوارح ، يقول ابن تيمية رحمه الله عن الأعمال القلبية " وهي من أصول الإيمان وقواعد الدين ، مثل محبة الله ورسوله ، والتوكل على الله ، وإخلاص الدين لله ، والشكر له ، والصبر على حكمه ، والخوف منه ، والرجاء له ، وهذه الأعمال جميعاً واجبة على جميع الخلق باتفاق أئمة الدين " الفتاوى 10/ 5 ( وانظر الفتاوى 20/70)
ويقول ابن القيم في بيان عظم أعمال القلوب : " أعمال القلوب هي الأصل ، وأعمال الجوارح تَبَعٌ ومكملةٌ ، وإن النية بمنزلة الرُوح ، والعمل بمنزلة الجسد للأعضاء الذي إذا فارق الروح فموات ، فمعرفة أحكام القلوب أهمّ من معرفة أحكام الجوارح " ( بديع الفوائد 3/224)
ويقول أيضاً : " ومن تأمل الشريعة ؛ في مصادرها ومواردها ، عَلِمَ ارتباط أعمال الجوارح بأعمال القلوب ، وأنها لا تنفع بدونها ، وأن أعمال القلوب أفرص على العبد من أعمال الجوارح ، وهل يميّز المؤمن عن المنافق إلا بما في قلب كل واحدٍ من الأعمال التي ميزت بينهما ؟ وعبودية القلب أعظم من عبودية الجوارح وأكثر وأدم ، فهي واجبة في كل وقت " ( المرجع السابق 3/330) .

• وبهذا تدرك – عزيزي القارئ – أهمية أعمال القلوب ، وعلو شأنها ، ووجوب تحقيق هذه الأعمال ، ومن أهمها وأخصها الإخلاص .
2- منزلة الإخلاص :
إن الإخلاص هو حقيقة الدين ، ومفتاح الرسل عليهم السلام ، قال تعالى : (( وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ )) (البينة: من الآية5) وقال سبحانه : (( وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ )) (النساء: من الآية125)وقال عز وجل ((الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً )) (الملك: من الآية2)
قال الفضيل : أي أخلصه وأصوبه .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " قال الله تعالى : أنا أغنى الشركاء عن الشرك ، من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه " ( رواه مسلم )

وقال صلى الله عليه وسلم : " من تعلم علماً مما يُبْتَغَى به وجه الله عز وجل ، لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا ، لم يجد عَرْفَ الجنة ( يعني ريحها ) يوم القيامة " ( رواه أبو داود ) و الأحاديث في هذا الباب كثيرة جداً .
• ومما ينبغي التذكير به في هذا الموضع هو أن الإخلاص إذا تمكن من طاعة ما ، فكانت هذه الطاعة خالصة لوجه الله تعالى ، فإننا نشاهد أن الله يجزي الجزاء الكبير والعطاء العظيم لهؤلاء المخلصين ، وإن كانت الطاعة في ظاهرها يسيرةً أو قليلة ، يقول ابن تيمية في هذا الشأن : " والنوع الواحد من العمل قد يفعله الإنسان على وجه يكمل فيه إخلاصه وعبوديته لله ، فيغفر الله به كبائر كما في حديث البطاقة ، فهذه حال من قالها بإخلاصٍ وصدقٍ ، كما قالها هذا الشخص ، وإلا فأهل الكبائر الذين دخلوا النار كلُّهم يقولون التوحيد ، ولم يترجح قولهم على سيئاتهم كما ترجّح قول صاحب البطاقة "
ثم ذكر ابن تيمية حديث البغي التي سقت كلباً فغفر الله لها ، والرجل الذي أماط الأذى عن الطريق فغفر الله له – ثم قال : " فهذه سقت الكلب بإيمانٍ خالص كان في قلبها فغفرا لله لها ، وإلا فليس كلُّ بغي سقت كلباً يغفر لها ، فالأعمال تتفاضلُ بتفاضل ما في القلوب من الإيمان والإجلال " ( منهاج السنة 6/ 218)
• وفي المقابل نجد أن أداء الطاعة بدون إخلاصٍ وصدق مع الله لا قيمة لها ولا ثواب ، بل صاحبها متعرض للوعيد الشديد ، وإن كانت هذه الطاعة من الأعمال العظام كالإنفاق في وجوه الخير ، وقتال الكفار ، ونيل العلم الشرعي ، كما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجلٌ استشهد فأتي به ، فعرّفه نعمته فعرفها ، قال : فما عملت فيها ؟ قال : قاتلت فيك حتى استشهدت ، قال : كذبت ، ولكنك قاتلت ليقال حريء فقد قيل ، ثم أمر به فسُحب على وجهه حتى ألقى في النار ، ورجلٌ تعلم العلم وعلّمه وقرأ القرآن ، فأتي به فعرفه ، فعرفها ، قال : فما عملت ؟ قال : تعلمت العلم وعلمته ، وقرأت فيك القرآن ،قال : كذبت ،ولكن تعلمت ليقال عالم ، وقرأت القرآن ليقال قارئ ، فقد قيل ، ثم أمر به فسُحب على وجهه حتى ألقي في النار ، ورجلٌ وسّع الله عليه ، وأعطاه من صنوف المال ، فأتى به فعرّفه نعمه فعرفها ، قال ، فما عملت فيها ؟ قال: ما تركت من سبيل تحبُّ أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك ، قال : كذبت ، ولكنك فعلت ليقال جواد ! فقد قيل ، ثم أمر به فسُحب على وجهه حتى ألقي في النار " ( رواه مسلم )

3- تعريف الإخلاص وحده :
• أما تعريف الإخلاص وحدّه ، فقد تنوعت عبارات
العلماء في ذلك :
• فهناك من يعرّفه بـــ :إفراد الحق سبحانه بالقصد في الطاعة .
• وهناك من يقول : الإخلاص تصفيةُ الفعل عن ملاحظة المخلوقين .
• ويقول الهروي : الإخلاص تصفية العمل من كلّ شوب ،
• ويقول بعضهم : المخلص هو الذي لا يبالي لو خرج كلُّ قدرٍ له في قلوب الناس ، من أجل صلاح قلبه مع الله عز وجل ، ولا يحبُّ أن يطلع الناس على مثاقل الذر من عمله .

ولا شك أن الإخلاص يحتاج إلى مجاهدة كبيرة حتى يناله العبدُ تماماً ، وقد سئل سهل بن عبد الله التستري ، أي شيء أشد على النفس ؟ قال : الإخلاص لأنه ليس لها فيه نصيبٌ ، وقال سفيان الثوري : ما عالجت شيئاً أشدّ علىّ من نيتي ، إنها تتقلب عليّ ، ولذا فإن النفس الأمارة بالسوء تُشيّن الإخلاص في قلوب ا لمكلفين ، وكما يقول ابن القيم عن تلك النفس : " وتريه الإخلاص في صورة ينفر منها ، وهي الخروج عن حكم العقل المعيشي ، والمداراة ، والمداهنة التي بها اندراج حال صاحبها ومشيه بين الناس ، فمتى أخلص أعماله ولم يعمل لأحد شيئاً تجنّبهم وتجنبوه وأبغضهم وأبغضوه " ( الروح ص 392)

4- من دقائق الرياء وخفاياه :
• واعلم أن الإخلاص ينافيه عدة أمورٍ من حب الدنيا والشهرة ، والشرف ، والرياء ، والسمعة ، والعُجْب .
• والرياء هو إظهار العبادة لقصد رؤية الناس ، فيحمدوا صاحبها، فهو يقصد التعظيم والمدح والرغبة أو الرهبة فيمن يرائيه .
• وأما السمعة فهي العمل لأجل سماع الناس .
• وأما العُجْبُ فهو قرين الرياء ، وقد فرّق بينهما شيخ الإسلام ابن تيمية فقال : " الرياء من باب الإشراك بالخلق ، والعُجْبُ من باب من باب الشرك بالنفس " ( الفتاوى 10 / 277) .
وسأورد لك – أخي القارئ – بعضاً من دقائق الرياء وخفاياه ، وإلا فالحديث عن الرياء طويل جداً ، وحسبنا في هذا المقام أن نورد ثلاثة من تلك المسالك الدقيقة للرياء على النحو التالي :
• أما أولها :
فما ذكره أبو حامد الغزالي في أحيائه حيث قال : أثناء ذكره للرياء الخفي : " وأخفى من ذلك أن يختفي ( العامل بطاعته ) بحيث لا يريد الاطلاع ، ولا يُسرّ بظهور طاعته ، ولكنه مع ذلك رأى الناس أحبّ أن يبدءوه بالسلام ، وأن يقابلوه بالبشاشة والتوقير وأن يثنوا عليه ، وأن ينشطوا في قضاء حوائجه ، وأن يسامحوه في البيع والشراء وأن يوسعوا له في المكان ، فإن قصر فيه مقصر ثقل ذلك على قلبه ، ووجد لذلك استبعاداً في نفسه ، كأنه يتقاضى الاحترام مع الطاعة التي أخفاها مع أنه لم يُطلع عليه ، ولو لم يكن قد سبق منه تلك الطاعة لما كان يستبعد تقصير الناس في حقه ، ومهما لم يكن وجود العبادة كعدمها في كل ما يتعلق بالخلق لم يكن قد قنع بعلم الله ، ولم يكن خالياً عن شوب خفي من الرياء أخفى من دبيب النمل ، وكلُ ذلك يوشك أن يحبط الأجر ، ولا يسلم منه إلا الصّدّيقون " أ . هـ . ( الإحياء 3/305، 306) .
• وأما ثانيها : فهو أن يجعل الإخلاص لله وسيلة لا غاية وقصداً لأحد المطالب الدنيوية .
وقد نبّه شيخ الإسلام على تلك الآفة الخفية فكان مما قال : رحمه الله : " حكي أن أبا حامد الغزالي بلغه أن من أخلص لله أربعين يوماً تفجرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه ، قال : فأخلصت أربعين يوماً لم يتفجر شيء ، فذكرت ذلك لبعض العارفين ، فقال لي : إنما أخلصت للحكمة ، ولم تخلص لله تعالى "
• ثم قال ابن تيمية : " وذلك لأن الإنسان قد يكون مقصوده نيل العلم والحكمة ، أو نيل المكاشفات والتأثيرات ، أو نيل تعظيم الناس له ومدحهم إياه ، أو غير ذلك من المطالب ، وقد عرف أن ذلك يحصل بالإخلاص لله وإرادة وجهه ، فإذا قصد أن يطالب ذلك بإخلاص لله وإرادة وجهه كان متناقضاً ؛ لأن من أراد شيئاً لغيره فالثاني هو المراد المقصود لذاته ، والأول يراد لكون وسيلة إليه ، فإذا قصد أن يخلص لله ليصير عالماً أو عارفاً أو ذا حكمة ، أو صاحب مكاشفات ، وتصرفات ونحو ذلك ، فهو هنا لم يرد الله ؛ بل جعل الله وسيلة له إلى ذلك المطلوب الأدنى " ( الدرء 6/66، 67)
• ولذا يقول الشاطبي رحمه : " إن الفاعل للسبب عالماً بأن المسبب ليس إليه ، إذا وكله إلى فاعله وصرف نظره عنه كان أقرب إلى الإخلاص ، فالمكلفُ إذا لبّى الأمر والنهي في السبب من غير نظر إلى ما سوى الأمر والنهي في السبب من غير نظر إلى ما سوى الأمر والنهي ، خارج عن حظوظه ، قائم بحقوق ربه ، واقف موقف العبودية ، بخلاف ما إذا التفت إلى المسبب وراعاه ، فإنه عند الالتفات إليه متوجهٌ شطره ، فصار توجهُهُ إلى ربه بالسبب ، بواسطة التوجه إلى المسبب ن ولا شكّ في تفاوت ما بين الرتبتين في الإخلاص " ( الموافقات 1/ 219- 220) ولما ذكر الشاطبي حكاية : " من أخلص لله أربعين يوماً " قال رحمه الله : " وهذا واقعٌ كيراً في ملاحظة المسببات ( النتائج ، والعواقب ) في الأسباب ، وربما غظت ملاحظاتها فحالت بين المتسبب وبين مراعاة الأسباب ، وبذلك يصير العابد مستكثراً لعبادته ، والعالم مغتراً بعلمه إلى غير ذلك " ( الموافقات 1/ 220)
• ومن دقائق الرياء – وهو ثالثها – ما أشار إليه ابن رجب رحمه الله بقوله : " وهنا نكتة دقيقة ، وهي أن الإنسان قد يذمُّ نفسه بين الناس ، يريد بذلك أن يرى الناس أنه متواضع عند نفسه ؛ فيرتفع بذلك عندهم ويمدحونه به ، وهذا من دقائق أبواب الربا ، وقد نبه عليه السلف الصالح ، قال مطرف بن عبد الله بن الشخير ، كفى بالنفس إطراءً أن تذمها على الملأ كأنك تريد بذمها زينتها ، وذلك عند الله سَفَهٌ " ( شرح حديث : ما ذئبان جائعان ، ص 46) .

5- علاج الرياء :
وحيث أن لكل داء دواء علمه من علمه وجهله من جهله ،
فإن لداء الرياء – وكذا غيره مما يضادُّ الإخلاص – أنواعاً من العلاج والدواء فمنها :

أ‌- أن يعلم المكلف علماً يقيناً بأنه عبدٌ محض ، والعبد لا يستحق على خدمته لسيده عوضاً ولا أجرة ، إذ هو يخدمه بمقتضى عبوديته ، فما يناله من سيده من الأجر والثواب تفضّلٌ منه وإحسان إليه لا معاوضة .
ب‌- مشاهدته لمنّة الله عليه وفضله وتوفيقه وأنه بالله لا بنفسه ، وأنه إنما أوجب عمله مشيئة الله لا مشيئته هو ، فكل خير فهو مجرد فضل الله ومنته ،
ج- مطالعة عيوبه وآفاته وتقصير فيه ، وما فيه من حظّ النفس ونصيب الشيطان ، فقلّ عمل من الأعمال إلا وللشيطان فيه نصيب وإن قل ، وللنفس فيه حظ ، سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن التفات الرجل في صلاته ؟ فقال : " هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد " فإذا كان هذه التفات طرفِهِ فكيف التفات قلبه إلى ما سوى الله ؟!
د- تذكير النفس بما أمر الله تعالى به من إصلاح القلب وإخلاصه ، وحرمان المرائي من التوفيق .
هـ - خوف مَقْتِ الله تعالى ، إذا طلع على قلبه وهو منطوٍ على الرياء
و- والإكثار من العبادات غير المشاهدة وإخفائها ، كقيام الليل ، وصدقة السرّ ، والبكاء خالياً من خشية الله ، قال الخُريبي : كانوا يستحبون أن يكون للرجل خبيئة من عملٍ صالح لا تعلم به زوجته ولا غيرها .
ز- تحقيق تعظيم الله تعالى ، وذلك بتحقيق التوحيد والتعبد لله بأسمائه الحسنى وصفاته العُلا.
ح- تذكر الموت وسكراته ، والقبر وأهواله ، واليوم الآخر بأحواله التي تشيب لها الولدان .
ط- معرفة الرياء ومداخله وخفاياه ؛ حتى يتم الاحتراز منه .
ي – النظر في عاقبة الرياء في الدنيا والآخرة .
• فيعلم العبد أن الناس لو اجتمعوا على أن ينفعوه بشي، لم ينفعوه إلا بشيء قد كتبه الله له ، كما جاء في وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لابن عباس ، ولذا قال بعض السلف : من عرف الناس استراح ، وكما قال بعضهم : " جاهد نفسك في دفع أسباب الرياء عنك ، واحرص على أن يكون الناس عندك كالبهائم والصبيان ، ولا تفرّق في عبادتك بين وجودهم وعدمهم ، وعلمهم بها أو غفلتهم عنها واقنع بعلم الله وحده "
ورضي الله عن عمر الفاروق القائل : " فمن خلصت نيته في الحق ، ولو على نفسه ، كفاه الله ما بينه وبين الناس ، ومن تزّين بما ليس فيه شانه الله " .
يقول ابن القيم – معلقاً على عبارة أمير المؤمنين : " ومن تزين بما ليس فيه شانه الله " : " لما كان المتزين بما ليس فيه ضد المخلص ، فإنه يظهر للناس أمراً وهو في الباطن بخلافه ، عامله الله بنقيض قصده ، فإن المعاقبة بنقيض القصد ثابتة شرعاً وقدراً ، ولما كان المخلص يُعجَّل له من ثواب إخلاصه الحلاوة والمحبة والمهابة في قلوب الناس ، عجَّل للمتزين بما ليس فيه من عقوبته ، أن شانه الله بين الناس ، ؛ لأنه شان باطنه عند الله ، وهذا موجب أسماء الرب الحسنى وصفاته العليا " ( إعلام الموقعين : 3/180)

• وأما عاقبة الرياء في الآخرة فكما قال صلى الله عليه وسلم : " من سمّع سمّع الله به ، ومن يرائي يرائي الله به " ( رواه البخاري ومسلم )
كما أن المرائين من أوائل الذين تُسعر بهم نار جهنم كما في حديث أبي هريرة – وقد تقدم ذكره .

ك‌- الاستعانة بالله على الإخلاص ، والتعوذ به من الرياء ، فعلى المسلم أن يكثر من الدعاء والتضرع إلى الله ؛ بأن يقيه الرياء ودواعيه ، كما جاء في الحديث ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الشرك فيكم أخفى من دبيب النمل ، وسأدلك على شيء إذا فعلته أذهب عنك صغار الشرك وكباره ، تقول : اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم ، وأستغفرك لما لا أعلم " ( صحيح الجامع الصغير )
وأنواع علاج الرياء كثيرة نسأل الله الإعانة في تحقيقها والتداوي بها

6- مزالق وتنبيهات :
يجتهد بعض العباد للتخلص من الرياء والسلامة منه ، ولكنهم يشتطون في ذلك ، فينزلقون في:

أ‌- مسلك " تركُ العمل خوفَ الرياء " فترى أحدهم قد اعتاد فعل الخير ، فيعرض في نفسه عارض الرياء ، فيترك هذه الطاعة خوفاً من هذا العارض ، ولا شك أن هذا خطأ وانحراف لا يقل خطراً عما يقابله من الرياء والسُمْعَة ، وقد كشف الفيضل بن عياض رحمه الله عن هذا الانحراف فقال : " ترك العمل لأجل الناس رياء ، والعمل من أجل الناس شرك ، والإخلاص أن يعافيك الله منهما "
• قال النووي موضحاً ذلك : " ومعنى كلامه رحمه أن من عزم على عبادة وتركها مخافة أن يراه الناس فهو مُراءٍ ؛ لأنه ترك العمل لأجل الناس ، أو لو تركها ليصليها في الخلوة فهذا مستحب إلا أن تكون فريضة ، أو زكاة واجبة ، أو يكون عالماً يقتدى به فالجهر بالعبادة في ذلك أفضل " ( شرح الأربعين النووية ) ص 11
• يقول ابن تيمية رحمه الله : " ومن كان له وِرْدٌ مشروع من صلاة الضحى ، أو قيام ليل ، أو غير ذلك ،فإنه يصليه حيث كان ، ولا ينبغي له أن يدع ورده المشروع لأجل كونه بين الناس ، إذا علم الله من قلبه أنه يفعله سراً لله مع اجتهاده في سلامته من الرياء ومفسدات الإخلاص ... " إلى أن قال : " ومن نهى عن أمرٍ مشروع بمجرد زعمه أن ذلك رياء ، فنهيه مرود عليه من وجوه :
أحدها : أن الأعمال المشروعة لا ينهى عنها خوفاً من الرياء ، بل يؤمر بها وبالإخلاص فيها ، فالفساد في ترك إظهارها المشروع أعظم من الفساد في إظهاره رياءً .

الثاني : لأن الإنكار إنما يقع على ما أنكرته الشريعة ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إني لم أومر أن أنقب قلوب الناس ، ولا أن أشق بطونهم "

الثالث : أن تسويغ مثل هذا يفضي إلى أن أهل الشرك والفساد ينكرون على أهل الخير والدين ، إذا رأوا من يظهر أمراً مشروعاً ، قالوا هذا مراءٍ فيترك أهل الصدق إظهار الأمور المشروعة حذراً من لمزهم ، فيتعطل الخير .

الرابع : أن مثل هذا من شعائر المنافقين ، وهو الطعن على من يظهر الأعمال المشروعة ، قال تعالى : ((الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)) (التوبة:79) أ . هـ . الفتاوى 23/174 ، 175 باختصار .
• وقد تمادى أصحاب هذا المسلك في هذا الانحراف ، حتى وصل بهم الحدُّ إلى قصد ذم الناس ولومهم ، وسمُّوا بـ " الملامية " وهم الذين يفعلون ما يُلامون عليه ، ويقولون نحن متبعون في الباطن ، أرادوا بذلك مقالة المرائين ، فردوا باطلهم بباطل آخر ، وهدى الله أهل السلوك من أهل السنة والجماعة إلى التزام الصراط المستقيم فكانوا وسطاً بين المرائين والملامية .
ب‌- ومن الأمور التي قد يقع الخلط فيها عند البعض ، عدمُ التفريق بين الرياء ، وبين مطلق التشريك ، حيث أشكل ذلك على بعض أهل العلم ، فحكموا على العبادات التي قصد بها العابد أمراً أقره الشارع بالبطلان ، كمن يحج ويتاجر ، ومن يجاهد الكفار ولكى ينال الغنيمة ونحوهما ، ولقد بين القرافي رحمه الله بينهما ، فنوجز قوله بما يلي : " الفرق الثاني والعشرون والمائة بين قاعدة الرياء في العبادة ، وبين قاعدة التشريك فيها : اعلم أن الرياء شرك وتشريك مع الله تعالى في طاعته ، وهو موجب للمصية والإثم والبطلان في تلك العبادة ، فالرياء : أن يعمل العمل المأمور به المتقرّب به إلى الله تعالى ويقصد به وجه الله تعالى ، وأن يعظمه الناس أو بعضهم ، فيصل إليه نفعهم أو يندفع به ضررهم .
• وأما مطلق التشريك كمن يجاهد لتحصيل طاعة الله بالجهاد ، وليحصل له المال من الغنيمة ، فهذا لا يضيره ، ولا يحرم عليه بالإجماع ؛ لأن الله جعل له هذا في العبادة ، ففرق بين جهاده ليقول الناس : هذا شجاع ، أو ليعظمه الإمام فيكثر عطاؤه من بيت المال ، هذا ونحوه رياء وحرام ، وبين أن يجاهد لتحصيل السبايا والكرام والسلاح من جهة أموال العدو مع أنه قد شرّك ، ولا يقال لهذا رياء ، بسبب أن الرياء أن يعمل ليراه غير الله من خلقه ، والرؤية لا تصحُّ إلا من الخلق .
وكذلك من حج وشرك في حجه غرض المتجر ، وكذلك من صام ليصح جسده ، أو ليحصل له زوال مرض من الأمراض التي ينافيها الصوم ، ولا يقدح هذا في صومه ، بل أمر بها صاحب الشرع في قوله صلى الله عليه وسلم : " يا معشر الشباب ، من استطاع منكم الباءة فليتزوج ، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء " أي قاطع ن فأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالصوم لهذا الغرض ، ولو كان ذلك قادحاً لم يأمر به صلى الله عليه وسلم في العبادة .
فهذا الأغراض لا يدخل فيها تعظيم الخلق ، بل هي تشريك أمور من المصالح ليس لها إدراك ، ولا تصلح للإدراك ، ولا للتعظيم ولا يمنع أن هذه الأغراض المخالطة للعبادة قد تُنقص الأجر ، وأن العبادة إذا تجردت عنها زاد الأجر وعظم الثواب " أ. هـ . مختصراً ( الفروق 3/22، 23) .

• وقد تحدث العز بن عبد السلام عما هو قريب من تلك المسألة فعقد فصلاً بعنوان " فصل في بيان أن الإعانة على الأديان وطاعة الرحمن ليست شركاً في عبادة الديان وطاعة الرحمن " فكان مما قاله رحمه الله " إن قيل : هل يكون انتظار الإمام المسبوق ليدركه في الركوع شركاً في العبادة أم لا ؟ قلت : ظن بعض العلماء ذلك وليس كما ظن ؛ بل هو جمعٌ بين فربتين لما فيه من الإعانة على إدراك الركوع ، وهي قربة أخرى ، والإعانة على الطاعات من أفضل الوسائل عند الله .. " [ قواعد الأحكام 1/117]

ويدل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : " إني لأدخل في الصلاة ، وأنا أريد أن أطيلها ، فأسمع بكاء الصبي ، فأتجوّز في صلاتي ، مما أعلم من شدة وَجْدِ أمه لبكائه " [ رواه البخاري ]
• وقد سئل ابن تيمية عن الرجل يتلو القرآن مخافة النسيان ، ورجاء الثواب ، فهل يؤجر على قراءته للدراسة ومخافة النسيان أم لا ؟ فأجاب رحمه الله : " إذا قرأ القرآن لله تعالى ، فإنه يثاب على ذلك بك حال ، ولو قصد بقراءته أن يقرأه لئلا ينساه ، فإن نسيان القرآن من الذنوب ، فإذا قصد بالقراءة أداء الواجب عليه من دوام حفظه للقرآن ، واجتناب ما نهى عنه من إهماله حتى ينساه ، فقد قصد طاعة الله فكيف لا يثاب " [ الفتاوى : 13 / 423]
ح – قد يكون أحدنا بين أظهر بعض الصالحين ، فينشط في الإقبال على الطاعة ، والمسارعة إليها ، فربما قاموا من الليل فقام معهم ، وقد يبذلون ويتصدقون وهو معهم على ذلك ، فيظنُّ البعض أن هذا من الرياء ، وقد أشار إلى هذه صاحب " مختصر منهاج القاصدين " فقال : " قد يبيت الرجل مع المجتهدين ، فيصلون أكثر الليل ، وعادته قيام ساعة ، فيوافقهم ، أو يصومون فيصوم ، ولولا هم ما انبعث هذا النشاط .
فربما ظن ظانٌ أن هذا رياء ، وليس كذلك على الإطلاق ، بل فيه تفصيل ، وهو أن كل مؤمن يرغب في عبادة الله تعالى ، ولكن تعوقه العوائق ، وتستهويه الغفلة ، فربما كانت مشاهدة الغير سبباً لزوال الغفلة واندفاع العوائق ، فإن الإنسان إذا كان في منزله تمكّن من النوم على فراشٍ وطي وتمتع بزوجته ، فإذا بات في مكان غريب ، اندفت هذه الشواغل ، وحصلت له أسباب تبعث على الخير ،منها مشاهدة العابدين :

فقد يصده الشيطان قائلاً : إذا عملت غير عادتك كنت مرائياً ، فلا ينبغي أن يلتفت إليه ، وإنما ينبغي أن ينظر إلى قصده الباطن ، ولا يلتفت إلى وسواس الشيطان .
ويختبر أمره بأن يمثل القوم في مكان يراهم ولا يرونه ، فإن رأى نفسه تسخو بالتعبد فهو لله ، وأن لم تسخُ كان سخاؤها عندهم رياءً ، وقس على هذا " أ . هـ . [ مختصر منهاج القاصدين ] لأحمد بن قدامة
د – ومما هو قريب مما سبق ، ويقع فيه اللبس والاشتباه ، عدم التفريق بين حبّ الرئاسة والولاية ، وبين حبّ الإمارة لأجل الدعوة إلى الله تعالى ، وقد أوضح ابن القيم رحمه الله تعالى ذلك فقال : " الفرق بين حب الرياسة ، وحب الإمارة للدعوة إلى الله ، هو الفرق بين تعظيم أمر الله والنصح له ، وتعظيم النفس والسعي في حظها ، فإن الناصح لله المعظم له المحبّ له يحبُّ أن يُطاع ربُّه فلا يُعصى ، وأن تكون كلمة الله هي العليا ، وأن يكون الدين كله لله ، وأن يكون العباد ممتثلين أوامره مجتنبين نواهيه ، فقد ناصح الله في عبوديته ، وناصح خلقه في الدعوة إلى الله ، فهو يحبُّ الإمامة في الدين ، بل يسأل ربه أن يجعله للمتقين إماماً يقتدي به المتقون ، كما اقتدى هو بالمتقين ، فإذا أحب هذا العبد الداعي إلى الله أن يكون في أعينهم جليلاً وفي قلوبهم مهيباً وإليهم حبيباً ؛ لكي يأتموا به ويقتفوا أثر الرسول علي يده ، لم يضره ذلك بل يحمد عليه ؛ لأنه داعٍ إلى الله يحبُّ أن يطاع ويعبد ويوحّد ، وهذا بخلاف طلب الرياسة ، فإن طلابها يسعون تحصيلها لينالوا أغراضهم من العلو في الأرض ، وتعبد القلوب لهم ، وميلهم إليهم ، ومساعدتهم لهم على جميع أغراضهم مع كونهم عالين عليهم قاهرين لهم ، فترتب على هذا المطلب من المفاسد ما لا يعلمه إلا الله ، من البَغْي والحسد والطغيان والحقد والظلم ولفتنة .... إلى آخر ما قاله رحمه الله " [ الروح – باختصار – ص 432- 433 ]
• وفي الختام أسال الله عز وجل أن يجعل جميع أعمالنا صالحةً وخالصة لوجهه عز وجل .

ثانياً : الشرك الأصغر ، تعرفه – وأنواعه .

إن الشرك بالله تعالى أعظم ذنب عصي الله به ، كما قال جل وعلا : (( إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ)) (لقمان: من الآية13)
ولما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أي الذنب أعظم ؟ قال : " أن تجعل لله نداً وهو خلقك " [ رواه البخاري ومسلم ]
ولذا فإن الشرك وحده لا يغفره الله تعالى : (( إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ)) (النساء: من الآية48) ومن ثم فهو مُحبط للأعمال الصالحة (( وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)) (الأنعام: من الآية88)
• ويقسم العلماء الشرك إلى قسمين : أحدهما شرك أكبر ، وهو أن يصرف العبد نوعاً من أنواع العبادة لغير الله تعالى :
والآخر هو الشرك الأصغر ، وهو ما نحن بصدده الآن .
• وهذا الشرك من الموضوعات المهمة التي تحتاج إلى دراسة وافية ، نظراً لخطورته وشدة وعيده ، حيث خافه رسول الله صلى الله عليه وسلم على صحابته ، أكمل الأمة إيماناً رضي الله عنهم ، ولكثرة من وقع فيه من المسلمين ، فلا يكاد أحد ينجو منه إلا من عصم الله .
وأرجو من الله تعالى التوفيق في عرض هذا الموضوع المهم الخطير للإخوة القراء ، وهو جهد مقلٍّ سعى في جمع كلام أهل العلم في هذا الموضوع من خلال العناصر التالية :

أولاً : تعريفه :
يمكن أن نعرّف الشرك الأصغر بأنه هو : ( ما أتي في النصوص أنه شرك ، ولم يصل إلى حدّ الشرك الأكبر )
• منها : صريح النص عليه ، كقوله صلى الله عليه وسلم كقوله صلى الله عليه وسلم : " إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر " قالوا : يا رسول الله ، وما الشرك الأصغر ؟ قال : " الرياء " [ رواه أحمد ] .
• ومن الدلالات على الشرك الأصغر أن يأتي منكراً غير معرّف ، فإن جاء معرّفاً بـ ( دلّ على أن المقصود به الشرك المخرج من الملة ) ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : " إن الرقى والتمائم والتولة شرك " [ رواه أحمد وأبو داود ]
• ومن الدلالات أيضاً على الشرك الأصغر ما فهمه الصحابة من النص ، فالصحابة أعلم الأمة بمعاني نصوص الكتاب والسنة ، ومثاله حديث :" الطيرةُ شركٌ ، وما منا إلا ، ولكنّ الله يذهبه بالتوكل " [ رواه أحمد والترمذي ]
فإن آخر الحديث على الصحيح ، هو من قول ابن مسعود رضي الله عنه ومعناه : وما منا إلا ويقع له شيء من التطير .
ومن ذلك حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم " من حلف بغير الله فقد أشرك " [ رواه الترمذي وحسنه ] ، فقد فسر ابن عباس رضي الله عنه أن الحلف بغير الله من الشرك الخفي والذي يعتبر شركاً فقد قال ابن عباس ، عن قوله تعالى : (( فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ)) (البقرة: من الآية22) " الأنداد هو الشرك أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل ، وهو أن تقول : والله وحياتك يا فلان ، وحياتي .. " [رواه ابن أبي حاتم ]

والشرك الخفي يعتبر شركاً أصغر ؛ حيث فسر الرسول صلى الله عليه وسلم الشرك الخفي بالرياء ، والذي يُعدُّ شركاً أصغر ، وإليك الدليل عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً " ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال ؟ قال : بلى ! قال : الشرك الخفي ، يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر الرجل " [ رواه أحمد ]


وعن شداد بن أوس : " كنا نعد الرياء على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم الشرك الأصغر " [ رواه الحاكم وصححه ]

• ومن هذه الدلالات أن يفسر الرسول صلى الله عليه وسلم هذا الشرك الذي جاء في نصٍ بما يوضح أن المراد به ما دون الشرك الأكبر ، ومن ذلك حديث معاوية الليثي مرفوعاً : " يكون الناس مجدبين ، فينزل الله عليهم ، فيصبحون مشركين ؛ يقولون مُطرنا بنوء كذا " [ رواه أحمد ] .

فالمراد بهذا الشرك ، هو كفر النعمة ضد الشكر ، وهو من الكفر الأصغر ( العملي ) لما أخرجه الشيخان من حديث زيد بن خالد رضي الله عنه قال : صلى بنا رسول الله صلى الله صلاة الصبح بالحديبية على إثر سماء ( أي مطر ) كانت من الليل ، فلما انصرف أقبل على الناس ، فقال : " هل تدرون ما ذا قال ربُّكم ؟ " قالوا : الله ورسوله أعلم ، فقال : " أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر ، فأما من قال : مُطرنا بفضل الله ورحمته ، فذلك مؤمن بي كافر بالكواكب ، وأما من قال : مطرنا بنوء كذا وكذا ، فذلك كافر بي مؤمن بالكواكب " وفي رواية لمسلم عن ابن عباس مرفوعاً : " أصبح من الناس شاكر ومنهم كافر ، قالوا هذه رحمة الله ، وقال بعضهم : لقد صدق نوء كذا وكذا "
• ومن الشرك الأصغر ما يكون شركاً بحسب قائله ومقصده - في حد ذاته – من الشرك الأصغر ( شرك الألفاظ ) ، لكن إن قصد قائله تعظيم غير الله تعالى كتعظيم الله تعالى مثلاً فهذا شرك أكبر .
• ولا أنسى أن أشير إلى أن الشيخ العلامة عبد الرحمن السعدي رحمه الله قد عرّف الشرك الأصغر بما يلي : " كل وسيلة وذريعة يُتطرق منها إلى الشرك الأكبر من الإرادات والأقوال والأفعال التي لم تبلغ رتبة العبادة "
ويبدو لى والله أعلم أن الحد السابق للشرك الأصغر أكثر دقة وانضباطاً من هذا الحد الذي لا يمكن تمييزه وحصره .

ثانياً : الفرق بين الشرك الأكبر والشرك الأصغر :
إن الشرك الأكبر محكومُ على صاحبه بالخروج من الإسلام في الدنيا ، والتخليد في النار ، وتحريم الجنة في الآخرة ، وأما الشرك الأصغر فهو بخلاف ذلك ، فلا يحكم على صاحبه بالكفر ، ولا الخروج من الإسلام ، ولا يخلد في النار .
كما أن الشرك الأكبر يحبط جميع الأعمال ، بينما الأصغر يحبط العمل الذي قارنه .
• وتبقى مسألة – هي محلُّ خلاف – وهي : هل الشرك الأصغر لا يُغفر إلا بالتوبة كالأكبر أم هو مثل الكبائر تحت المشيئة الإلهية ؟
هناك من العلماء من قال: إن الشرك الأصغر لا يغفر لصاحبه إلا بالتوبة لعموم الآية ((إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ)) (النساء: من الآية48) لكن يدخل تحت الموازنة بخلاف الأكبر الذي يحبط كل الأعمال كما سبق ، فإن حصل معه حسنات راجحة على ذنوبه دخل الجنة وإلا دخل النار
وكان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يميل إلى ذلك حيث يقول مثلاً : " وأعظم الذنوب عند الله الشرك به ، وهو سبحانه لا يغفر أن يشرك به ، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ، و الشرك منه جليلٌ ودقيقٌ وخفيٌ وجليٌ "
ويقول بعبارة أصرح من السابقة : " وقد يقال : الشرك لا يغفر منه شيء لا أكبر ولا أصغر على مقتضى القرآن ، وإن كان صاحب الشرك ( الأصغر ) يموت مسلماً ، لكن شركه لا يغفر له ؛ بل يعاقب عليه ، وإن دخل بعد ذلك الجنة "
لكن يفهم من عبارات ابن القيم أن الشرك الأصغر تحت المشيئة ، حيث يقول رحمه الله : " فأما نجاسة الشرك ففي نوعان : نجاسة مغلظة ، ونجاسة مخففة ، فالمغلظة الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله إلا ، فإن الله يغفر أن يشرك به ، والمخففة الشرك الأصغر كيسير الرياء " ومرة يقول : " الشرك الأكبر لا يغفره الله إلا بالتوبة منه " إلى أن يقول : " وأما الشرك الأصغر فكيسير الرياء والتصنع للمخلوق "

وقد ذكر العلامة السعدي كلاماً مهماً في هذه المسألة ، أنقل بعضه : " من لحظ إلى عموم الآية ( يعني قوله تعالى (( إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ )) وأنه لم يخص شركاً دون شرك ، أدخل فيها الشرك الأصغر ، وقال : إنه لا يغفر ؛ بل لا بد أن يعذب صاحيه ، لأن من لم يغفر له لا بد أن يعاقب ، ولكن القائلين بهذا لا يحكمون بكفره ، ولا بخلوده في النار ، وإنما يقولون يعذب عذاباً بقدر شركه ، ثم بعد ذلك مآله إلى الجنة .

وأما من قال: إن الشرك الأصغر لا يدخل في الشرك المذكور في هذه الآية ، وإنما هو تحت المشيئة ، فإنهم يحتجون بقوله تعالى : (( إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ )) (المائدة: من الآية72)
فيقولون : كما أنه بإجماع الأئمة أن الشرك الأصغر لا يدخل في تلك الآية ، وكذلك لا يدخل في قوله تعالى : (( لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ )) (الزمر: من الآية65)
لأن العمل هنا مفرد مضاف ، ويشمل الأعمال كلها ، ولا يحبط الأعمال الصالحة كلَّها إلا الشرك الأكبر .
ويؤيد قولهم أن الموازنة واقعة بين الحسنات والسيئات التي هي دون الشرك ، لأن الشرك الأكبر لا موازنة بينه وبين غيره فإنه لا يبقى معه عمل ينفع

ثالثاً : أمثلة الشرك الأصغر وصوره :
الشرك الأصغر قد يكون طاهراً جلياً ، وربما كان خفياً دقيقاً ، كما أنه يكون في الإرادات والنيات ، ويكون في الأقوال والأفعال .
• فمن أمثلة هذا الشرك : التطير : وهو التشاؤم بالطيور ، والأسماء ، والألفاظ ، والبقاع وغيرها ، فنهى الشارع عن التطير وذم المتطيرين ، قال تعالى : (( أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ)) (لأعراف: من الآية131)
وقال صلى الله عليه وسلم : " لا عَدْوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر " وعن ابن مسعود مرفوعاً : " الطيرة شركٌ " [ رواه أبو داود والترمذي ]
إن التطير سوء الظن بالله تعالى : وتعلق بأسباب موهومة ...
ومن ثم فإن التشاؤم إنما هو في نفس الشخص المتشائم لا في الشيء المتشائَم منه ، فوهمُه وخوفه وإشراكه هو الذي يُطيره ويصعده لا ما رآه وسمعه ، ولذا لما قال معاوية بن الحكم السلمي لرسول الله صلى الله عليه وسلم : ومنا أناس يتطيرون ، فقال : " ذلك شيء يجده أحدكم في نفسه فلا يصدنكم " [ رواه مسلم ] لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب الفأل ويكره الطيرة ، لأن الفأل الحسن إنما هو حُسن ظنٍ بالله تعالى ، ودون تعلق للقلب بغير الله ، بل فيه من المصلحة والسرور وتقوية النفوس وموفقة الفطرة إلى ما يلائمها .
• وقد جاءت الأحاديث في بيان علاج ذلك : منها " مَنْ ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك " قالوا : فما كفارة ذلك ؟ قال : أن تقول : " اللهم لا خير إلا خيرك ، ولا طير إلا طيرك ، ولا إله غيرك " [ رواه أحمد ] ,
ولأبي داود ، عن عقبة بن عامر قال: ذُكرت الطيرة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم : فقال : " أحسنها الفأل ، ولا ترد مسلماً ، فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقل : اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت ، ولا يدفع السيئات إلا أنت ، ولا حول ولا قوة إلا بك " .
إن هؤلاء المتشائمين والواقعين في شَرَك هذا الشرك الأصغر إنما هو لظنهم أن التطير سببٌ في حصول نفع أو دفع ضر، ومن ثم فإنه يتعين على المكلف أن يعرف في الأسباب ثلاث أمورٍ :
أحدها : ألا يجعل منها سبباً إلا ما ثبت أنه سبب شرعاً أو قدراً ، والطيرة ليست كذلك ، فالشارع نهى عنه ، وأما القدر فإن التطير ليس سبباً مادياً معهوداً في حصول المقصود ، ومن ثم فلا بد من إبطال التطير وإلغائه .

ثانياً : ألا يعتمد العبد عليها ؛ بل يعتمد على مسبّبها ومقدرها مع قيامه بالمشروع منها ، وحرصه على النافع منها .
ثالثاً : أن يعلم أن الأسباب مهما عظمت وقويت فإنها مرتبطة بقضاء الله وقدره ولا خروج لها عنه

• ومن أمثلة هذا الشرك : شرك الألفاظ : ومنه الحلف بغير الله ؛ لما جاء في الأحاديث الكثيرة من التحذير من ذلك ، ووصفه بأنه شرك ، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم : " من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك " [ رواه أحمد وأبو داود ]

وكذلك حديث ابن عمر مرفوعاً : " إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم ، من كان حالفاً فليحف بالله أو ليصمت " [ أخرجاه ]
وعن بريدة مرفوعاً : " من حلف بالأمانة فليس منا " [ رواه أبو داود ] .
وقد جاءت كفارة ذلك من حديث أبي هريرة مرفوعاً : " من حلف باللات والعزّى فليقل : لا إله إلا الله " [ رواه البخاري ومسلم ] .

ومن شرك الألفاظ ما ورد عن ابن عباس في قوله تعالى : (( فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً)) (البقرة: من الآية22) حيث قال رضي الله عنه : " الأنداد هو الشرك أخفى من دبيب النمل على صخرة سوداء في ظلمة الليل ، وهو أن تقول : والله وحياتك يا فلان ، وحياتي ، وتقول : ولو لا كلبة هذا لأتانا اللصوص ، ولولا البط في الدار لأتى اللصوص ، وقول الرجل لصاحبه : ما شاء الله وشئت ، وقل الرجل ، لو لا الله وفلان ، لا تجعل فيها " فلان " هذا كله شرك " [ رواه ابن أبي حاتم ] .
• ومن الشرك الأصغر : الشرك الخفي : وهو الشرك في الإرادات والنيات ، ورحم الله ابن القيم عند ما يقول عن هذا الشرك : " فذلك البحر الذي لا ساحل له ، وقلّ من ينجو منه ، فمن أراد بعمله غير وجه الله ، ونوى شيئاً غير التقرب إليه وطلب الجزاء منه ، فقد أشرك في نيّته وإرادته "

• ومن هذا الشرك ، يسير الرياء لقوله صلى الله عليه وسلم : " إن يسير الرياء شرك " [ رواه ابن ماجة ] .

وأما الرياء المحض فهذا من النفاق الأكبر المخرج من الملة كما ذكر ذلك ابن رجب رحمه في جامع العلوم والحكم ، وقد سمى رسول الله صلى الله عليه وسلم الرياء شركاً خفياً ، وسماه شرك السرائر ، فعن أبي سعيد مرفوعاً : " ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟ " قالوا : بلى ، قال : " الشرك الخفي ؛ يقول الرجل فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر الرجل " [ رواه أحمد ] .
وعن محمود بن لبيد رضي الله عنه قال : خرج النبي صلى الله عليه وسلم فقال : " يقوم الرجل فيصلي ، فيزين صلاته جاهداً لما يرى من نظر الرجل إليه ، فذلك شرك السرائر " [ رواه ابن خزيمة ] .

• إن الرياء داء عُضال ، وآفة عظيمة إلى علاج شديد وتمرين النفس على الإخلاص ومجاهدتها في مدافعة خواطر الرياء والاستعانة بالله على دفعها

وكما قال الطبي عن الرياء : " هو من أضرّ غوائل النفس ، وبواطن مكائدها ، يُبْتَلى به العلماء والعباد ، والمشمرون عن ساق الجد لسلوك طريق الآخرة ، فإنهم مهما قهروا نفوسهم وفطموها عن الشهوات وصانوها عن الشبهات ، عجزت نفوسهم عن الطمع في المعاصي الظاهرة ، الواقعة على جوارح ، فطلبت الاستراحة إلى التظاهر بالخير وإظهار العلم والعمل ، فوجدت مخلصاً من مشقة المجاهدة إلى لذة القبول عند الخلق ، ولم تقنع باطلاع الخالق تبارك وتعالى ، وفرحت بحمد الناس ، ولم تقنع بحمد الله وحده ، فأحبت مدحهم ، وتبركهم بمشاهدته وخدمته وإكرامه وتقدمه في المحافل ، فأصابت النفس في ذلك أعظم اللذات وأعظم الشهوات ، وهو يظن أن حياته بالله تعالى ، وبعبادته ، وإنما حياته هذه الشهوة الخفية التي تعمى عن دركها العقول النافذة ، قد أثبت اسمه عند الله من المناقين ، وهو يظن أنه عند الله من عباده المقربين ، وهذه مكيدة للنفس لا يسلم منها إلا الصديقون ، ولذلك قيل : " آخر ما يخرج من رؤوس الصديقين حب الرياسة " انتهى كلامه .

• يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه : " فمن خلصت نيته في الحق ولو على نفسه كفاه الله ما بينه وبين الناس ، ومن تزيّن بما ليس فيه شانه الله "
• وقد أرشد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم إلى علاج لهذا الشرك ، فقد جاء في حديث أبي موسى الأشعري أنه قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال : " يا أيها الناس ، اتقوا هذا الشرك ، فإنه أخفى من دبيب النمل فقيل له : وكيف نتقيه وهو أخفى من دبيب النمل يا رسول الله ؟ قال : " قولوا : اللهم إنا نعوذ بك أن نشرك بك شيئاً نعلمه ونستغفرك لما لا نعلمه " [ رواه أحمد ]


_________________



الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://dance2010.ahlamontada.net
 
الإخلاص والشرك الأصغر للشيخ / د . عبد العزيز بن محمد العبد اللطيف
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى عماد عبد الحى الأطير  :: المنتديات العامة :: المنتدى الاسلامى-
انتقل الى: